مجتمع

سيدي إفني: أول خروج للوزير.. وأول إشارة أن الجنوب في قلب الدولة

بقلم إبراهيم بوليد

هناك زيارات تمر مرور الكرام، وهناك زيارات تكتب معناها قبل أن تكتب أرقامها. زيارة الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، أحمد المهدي مزواري، اليوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 إلى سيدي إفني، كانت من النوع الثاني.

فقد اختار الوزير أن يكون أول خروج ميداني له منذ توليه المسؤولية، إلى سيدي إفني، لا إلى العاصمة، ولا إلى المدن الكبرى، بل إلى إقليم ظل طويلا ينتظر الالتفات. واختار أن يكون ذلك في سياق احتفالات عيد الوحدة، حيث للوحدة معنى لا يقاس بالخطب، بل بالمشاريع التي توحد التراب بالتنمية، والمواطن بالدولة.

وهذا الاختيار في حد ذاته، موقف سياسي.

فالوزير لم يأت إلى سيدي إفني ليقطع شريطا، بل جاء ليعطي الانطلاقة الرسمية للمشروع النموذجي لتربية الأسماك في عرض البحر، أول مشروع من نوعه في المغرب وفي إفريقيا كلها، أنجزه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، بغلاف مالي يناهز 50 مليون درهم.

مشروع على بعد سبعة أميال بحرية من ميناء سيدي إفني، على مساحة 25 هكتارا، وبعمق بين 40 و45 مترا، يضم أربعة أقفاص عائمة بطاقة إنتاجية تصل إلى 280 طنا سنويا، وسفينة متخصصة وقاعدة لوجستية تضم مختبرا علميا. مشروع جاء بعد خمس سنوات من التجريب، من 2021 إلى 2026، توجت بنجاح دورة كاملة لتربية سمك الزريقة الملكية، وصل فيها الوزن إلى 400 غرام، وهو الحجم التجاري المستهدف.

لكن الرسالة الأعمق، كانت في الحضور نفسه.

حين يبدأ وزير مسؤوليته من سيدي إفني، فهو يقول ضمنيا: التنمية لا تبدأ من المركز، بل من الهامش الذي صار مركزا. وحين يبدأها بمشروع علمي استراتيجي، فهو يقول: لن نبيع الوهم لسيدي إفني، بل سنمنحها مشروعا يخلق الثروة والشغل والمعرفة.

إنها بداية موفقة، تستحق التشجيع، لأنها تكسر قاعدة قديمة: أن الوزراء الجدد يبدؤون من الرباط والدار البيضاء، وينتهون إلى النسيان بالنسبة للأقاليم الجنوبية. مزواري قلب المعادلة، وبدأ من حيث يجب أن تبدأ الدولة، من سيدي إفني، من البحر، من حيث يعيش الناس على إيقاع الميناء والصيد والانتظار.

وعيد الوحدة، في هذه اللحظة، لم يكن مجرد مناسبة للاحتفال، بل كان إطارا للمعنى. فالوحدة الحقيقية ليست أن نرفع الأعلام فقط، بل أن نوزع المشاريع بعدل، وأن يشعر المواطن في سيدي إفني أنه جزء من رؤية وطنية كبرى، عنوانها الاقتصاد الأزرق والسيادة البحرية والأمن الغذائي.

والمشروع نفسه، يحمل هذا البعد الوحدوي. فالخريطة الوطنية للمناطق الملائمة لتربية الأحياء المائية تتحدث عن إمكانات تتجاوز 300 ألف طن على مساحة 24 ألف هكتار، 75 في المئة منها في عرض البحر على الواجهة الأطلسية. أي أن ما بدأ اليوم في سيدي إفني، يمكن أن يمتد غدا من الشمال إلى الداخلة، ويجعل المغرب قوة إفريقية رائدة في تربية الأسماك.

سيدي إفني اليوم، لا تحتفل فقط بمزرعة بحرية، بل تحتفل بأنها صارت أول محطة في أجندة وزير، وأول عنوان في خريطة الاقتصاد الأزرق المغربي.

ومن هنا، نوجه دعوة مباشرة وصادقة إلى السيد الوزير:

السيد الوزير، لقد أحسنت البداية، فأتممها بالمتابعة. سيدي إفني لا تريد زيارة للتدشين فقط، بل تريد زيارة ثانية وثالثة للمواكبة والتقييم. تعال بعد ثلاثة أشهر لترى الأقفاص، وتعال بعد ستة أشهر لتسمع من المهنيين والشباب والباحثين، وتعال بعد سنة لتحاسب معنا على النتائج.

فالمشاريع الكبرى لا تنجح بالانطلاقة، بل بالاستمرارية. وسيدي إفني التي استقبلتك اليوم بالترحاب في أول خروج لك، مستعدة أن تستقبلك غدا كشريك في النجاح، لا كضيف عابر.

إذا عدت إلى سيدي إفني، سيذكر التاريخ أنك لم تكن وزيرا مر من سيدي إفني، بل وزيرا صنع في سيدي إفني بداية مساره، وبنى فيها ثقة لا تنسى بين الدولة والمواطن.

وذلك هو المعنى الحقيقي لعيد الوحدة: أن نبدأ معا، وأن نكمل معا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى