
في ضوء التحوّل السياسي والدبلوماسي الذي حمله قرار مجلس الأمن رقم 2797، وما تبعه من تصريح للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا بشأن انتظاره النسخة المحدثة من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، تبرز مهنة المحاماة في الأقاليم الجنوبية كأحد المؤشرات الواقعية على جاهزية المنطقة لممارسة تدبير ذاتي مؤسساتي راسخ تحت السيادة الوطنية.
فالمنظومة القضائية بجهتَي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب راكمت خلال العقود الأخيرة تجربة مهنية وقضائية مستقرة وفعّالة، تُرجمت في انتظام سير العدالة داخل محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية وقضاء الأسرة، إلى جانب المحاكم التجارية والإدارية المتنقلة، بما يجعل كامل مسار التقاضي متاحاً داخل الإقليم نفسه، ويعزز مبدأ القرب القضائي وترسيخ ثقة المواطن في العدالة كخدمة عمومية أساسية.
وفي قلب هذا البناء، برز جسم مهني قانوني متماسك من المحامين: ذوو تجربة وأقدمية، وأبناء المنطقة، إلى جانب جيل جديد من المتمرنين الذين انخرطوا بشكل طبيعي في النسيج المهني المحلي. وتشير المعطيات المهنية لسنة 2025 إلى وجود 116 محامياً ومحامية يمارسون حالياً بهذه الأقاليم، وهو رقم ذو دلالة مؤسساتية، لأنه يعكس كتلة مهنية قادرة على أداء وظائف الدفاع والترافع والمساعدة القانونية والإسهام في تفعيل العدالة، وهي وظائف تجعل من المحاماة ركيزة لا يمكن لأي نموذج للحكم الذاتي أن يستقيم دونها.
إن الحكم الذاتي الناجح لا يقوم على الشعارات ولا على البعد السياسي المجرّد، بل على القدرة العملية للإقليم على إدارة مؤسساته وخدماته الحيوية، وفي مقدمتها العدالة. ومن هذا المنطلق، يصبح فتح نقاش مهني هادئ ومسؤول حول إمكانية إحداث هيئة جهوية موحدة للمحامين بالأقاليم الجنوبية خطوة طبيعية في مسار ترسيخ نموذج القضاء الوظيفي المحلي، وإبراز الكفاءة الذاتية للمنطقة في تدبير شؤونها القانونية، في انسجام تام مع روح الجهوية المتقدمة وأحكام الدستور المغربي ووحدة الوطن.
إن تنزيل الحكم الذاتي بشكل آمن وفعّال يبدأ من المؤسسات ذات القيمة الاستراتيجية، وفي طليعتها العدالة، حيث يتجسد حضور الدولة والمواطن في آن واحد. ومن هنا، تظهر مهنة المحاماة في الأقاليم الجنوبية ليس فقط جاهزة لهذه المرحلة، بل قادرة على قيادتها، بثبات واتزان، وبذكاء مهني هادئ يفضّل البناء على الجذور بدل القفز على الواقع.
إننا اليوم أمام لحظة تاريخية صامتة، لكنها حاسمة:
صفحة جديدة تُكتب بثقة، وبشراكة واعية بين الدولة ومحاميها، من أجل بناء وطنٍ واحد، وعادل، ومتصالح مع مستقبله.
مصطفى يخلف
محامي بهيئة اكادير
عضو جمعية عدالة



