البث المباشر
مصطفى لعتيك… الدبلوماسي الذي حمل المغرب في حقيبته الدبلوماسية من واد نون إلى عواصم القرار العربي والدولي… رحلة وفاء لوطن لا يغيب عن الوجدان - RIMAL TV

مصطفى لعتيك… الدبلوماسي الذي حمل المغرب في حقيبته الدبلوماسية من واد نون إلى عواصم القرار العربي والدولي… رحلة وفاء لوطن لا يغيب عن الوجدان

بعض اللقاءات لا تعيد إلينا ذكريات الماضي فقط، بل تدفعنا إلى التأمل في مسارات رجال اختاروا أن يشقوا طريقهم بهدوء وثبات بعيداً عن الأضواء، تاركين بصماتهم في مواقع المسؤولية والعمل الجاد. هكذا كان لقائي بصديق الطفولة مصطفى لعتيك بعد ما يقارب عقدين من الزمن من الانقطاع، حيث تفرقت بنا دروب الحياة قبل أن تجمعنا الصدفة من جديد، فتعود إلى الذاكرة سنوات البدايات الأولى بمدينة واد نون، تلك الحاضرة العريقة التي ظلت على امتداد تاريخها خزّاناً للوطنية الصادقة وفضاءً للقيم الأصيلة التي ميزت أبناء الصحراء المغربية.
من هناك بدأت رحلة الشاب الوادنوني نحو الرباط، عاصمة المملكة ومركز إشعاعها العلمي والإداري، بعد حصوله على شهادة البكالوريا، حاملاً معه طموحاً كبيراً وإرادة صلبة لصناعة مسار علمي ومهني متميز. ولم يتوقف عند حدود التحصيل الجامعي بالمغرب، بل شد الرحال إلى جمهورية مصر العربية لاستكمال دراساته العليا في القانون من جامعة عين شمس، حيث وجد في القاهرة فضاءً عربياً رحباً أغنى معارفه ووسع مداركه القانونية والسياسية، ومهّد له الطريق نحو الانخراط في فضاءات العمل العربي المشترك.
في القاهرة بدأت ملامح مشروعه المهني تتبلور بشكل أوضح، قبل أن يلتحق بجامعة الدول العربية، المؤسسة التي شكلت لعقود طويلة أحد أهم فضاءات التنسيق والعمل العربي المشترك. هناك ولج عالم الدبلوماسية العربية وهو مفعم بالطموح والرغبة في إثبات الذات، مؤمناً بأن خدمة القضايا العربية لا تنفصل عن الوفاء للوطن الأم والانتصار لمصالحه العليا.
ورغم انفتاحه على الفضاء العربي الواسع، ظل المغرب حاضراً في وجدانه في كل محطة من محطات مساره المهني. فقد كان يدرك أن الانتماء الحقيقي لا يتغير بتغير المواقع والوظائف، وأن الدفاع عن الوطن واجب دائم لا يرتبط بظرف أو مناسبة. لذلك ظل حريصاً على مواكبة كل ما يتعلق بالمصالح العليا للمملكة والدفاع عن ثوابتها الوطنية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية التي شكلت دائماً عنوان الإجماع الوطني المغربي.
قادته مهامه بعد ذلك إلى نيويورك وتحديدا الى بعثة الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة ليكون مسؤولا عن ملفات اللجنة الاولى في الامم المتحدة باعتبارها مسؤولة عن قضايا نزع السلاح والأمن الدولي ، إلى جانب قضايا الشرق الأوسط في مجلس الأمن الدولي ؛ حيث اكتشف عن قرب عالم القوة والتأثير ومراكز صناعة القرار الدولي. ففي نيويورك وقف على حجم التحولات التي يعرفها العالم، وعلى طبيعة التوازنات التي تتحكم في العلاقات الدولية، واكتسب تجربة مهنية وإنسانية غنية أتاحت له فهماً أعمق لآليات اشتغال المؤسسات الدولية ولطبيعة الصراعات والتحالفات التي ترسم ملامح النظام العالمي المعاصر، اشتغل بعد ذلك نائبا لرئيس بعثة الجامعة العربية في العاصمة التركية أنقرة كأول ديبلوماسي عربي فيها بعد بدء العمل بها عام 2010، في مرحلة اتسمت بحساسية إقليمية ودولية كبيرة وبحراك سياسي متسارع عرفته المنطقة مع بدايات الألفية الجديدة. وهناك وجد نفسه أمام تجربة مختلفة بكل أبعادها الحضارية والسياسية والثقافية، أتاحت له الاقتراب من واحدة من أكثر الدول تأثيراً في محيطها الإقليمي.
في تركيا، لم يكن مصطفى لعتيك يكتفي بمتابعة الملفات الدبلوماسية المرتبطة بمهامه، بل كان ينظر أيضاً إلى التجربة التركية من زاوية المقارنة والتأمل، متسائلاً باستمرار عن السبل الكفيلة بتمكين المغرب من مواصلة رفع التحديات ومواكبة التحولات الدولية المتسارعة. وكانت تلك المقارنات تزيده اقتناعاً بأن المملكة المغربية تمتلك من المؤهلات التاريخية والبشرية والاستراتيجية ما يجعلها قادرة على تعزيز مكانتها بين الأمم.
ثم جاءت محطة النمسا، البلد الأوروبي الهادئ والمتزن، الذي يحتضن عدداً من أهم المنظمات الدولية، أبرزها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات إلى جانب منظمة الحظر الشامل للتجارب النووية ومنظمة الامم المتحدة للتنمية الصناعية، فضلا عن البعد السياسي والأمني الذي تلعبه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وفي فيينا راكم تجربة جديدة داخل فضاءات العمل متعدد الأطراف، واكتسب معرفة أوسع بطبيعة الملفات الدولية المعقدة التي أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من اهتمامات المجتمع الدولي.
ورغم اختلاف العواصم وتنوع الثقافات واللغات والبيئات السياسية، ظل شيء واحد ثابتاً في شخصية مصطفى لعتيك: ذلك الارتباط العميق بالمغرب. فالوطن بالنسبة إليه لم يكن مجرد نقطة انطلاق أو ذكرى بعيدة، بل كان حاضراً في وجدانه في كل مهمة وفي كل لقاء وفي كل محطة من محطات مساره الدبلوماسي. كان يحمل المغرب معه حيثما حل وارتحل، ويؤمن بأن الدفاع عن مصالحه العليا مسؤولية لا تتوقف عند الحدود الجغرافية ولا تنتهي بانتهاء المهام.
وبعد سنوات من العمل الدبلوماسي العربي بين القاهرة وأنقرة ونيويورك وفيينا، عاد مصطفى لعتيك إلى القاهرة محملاً بتجارب مهنية وإنسانية غنية، وبقناعة راسخة بأن خدمة الأوطان لا تقاس بالمناصب ولا بالألقاب، بل بصدق الالتزام والإخلاص في أداء الواجب.
إنها قصة ابن من أبناء واد نون، اختار أن يجعل من العلم والعمل جسراً نحو آفاق أرحب، وأن يحمل وطنه معه في كل محطة من محطات حياته. وهي أيضاً رسالة تؤكد أن المغرب كان وسيظل حاضراً في قلوب أبنائه الأوفياء أينما كانوا، وأن خدمة الوطن ليست مجرد شعار يرفع، بل سلوك يومي وممارسة مستمرة تجسدها المواقف قبل الكلمات.


بقلم: ذ. رشيد رزق الله

Exit mobile version